محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أَ إِذا مِتْنا يقول تعالى ذكره : قال قائل من أهل الجنة إذ أقبل بعضهم على بعض يتساءلون : إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ فاختلف أهل التأويل في القرين الذي ذكر في هذا الموضع ، فقال بعضهم : كان ذلك القرين شيطانا ، وهو الذي كان يقول له : أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بالبعث بعد الممات . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال : شيطان . وقال آخرون : ذلك القرين شريك كان له من بني آدم أو صاحب ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ قال : هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان ، فيقول له المشرك : إنك لتصدق بأنك مبعوث من بعد الموت أإذا كنا ترابا ؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمن الجنة ، وأدخل المشرك النار ، فاطلع المؤمن ، فرأى صاحبه في سواء الجحيم قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، قال : ثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله : إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال : إن رجلين كانا شريكين ، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار ، وكان أحدهما له حرفة ، والآخر ليس له حرفة ، فقال الذي له حرفة للآخر : ليس لك حرفة ، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك ، فقاسمه وفارقه ؛ ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك قد مات فدعا صاحبه فأراه ، فقال : كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار ؟ قال : ما أحسنها ؛ فلما خرج قال : اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار ، وإني أسألك دارا من دور الجنة ، فتصدق بألف دينار ؛ ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم إنه تزوج امرأة بألف دينار ، فدعاه وصنع له طعاما ؛ فلما أتاه قال : إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار ؛ قال : ما أحسن هذا ؛ فلما انصرف قال : يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار ، وإني أسألك امرأة من الحور العين ، فتصدق بألف دينار ؛ ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم اشترى بستانين بألفي دينار ، ثم دعاه فأراه ، فقال : إني ابتعت هذين البستانين ، فقال : ما أحسن هذا ؛ فلما خرج قال : يا رب إن صاحبي قد اشترى بساتين بألفي دينار ، وأنا أسألك بستانين من الجنة ، فتصدق بألفي دينار ؛ ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ؛ ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله دارا تعجبه ، فإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ، ثم أدخله بستانين ، وشيئا الله به عليم ، فقال عند ذلك : ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا . قال : فإنه ذاك ، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة . قال : فإنه كان لي صاحب‌يقول : أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ قيل له : فإنه في الجحيم ، قال : فهل أنتم مطلعون ؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم ، فقال عند ذلك : تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ الآيات . وهذا التأويل الذي تأوله فرات بن ثعلبة يقوي قراءة من قرأ " إنك لمن المصدقين " بتشديد الصاد بمعنى : لمن المتصدقين ، لأنه يذكر أن الله تعالى ذكره إنما أعطاه ما أعطاه على الصدقة لا على التصديق ، وقراءة قراء الأمصار على خلاف ذلك ، بل قراءتها بتخفيف الصاد وتشديد الدال ، بمعنى : إنكار قرينه عليه التصديق أنه يبعث بعد الموت ، كأنه قال : أتصدق بأنك تبعث بعد مماتك ، وتجزى بعملك ، وتحاسب ؟ يدل على ذلك قول الله : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ وهي القراءة الصحيحة عندنا التي لا يجوز خلافها لإجماع الحجة من